ابو القاسم عبد الكريم القشيري
110
لطائف الإشارات
قصّ عليه - صلوات اللّه عليه وسلامه - أنباء الأولين ، وشرح له جميع أحوال الغابرين ، ثم فضّله على كافتهم أجمعين ، فكانوا نجوما وهو البدر ، وكانوا أنهارا وهو البحر ، ثم به انتظم عقدهم ، وبنوره أشرق نهارهم ، وبظهوره ختم عددهم « 1 » ، كما قيل : يوم وحسب الدهر من أجله * حيّا غد والتفت الأمس قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 76 ] فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) ما زادهم الحقّ سبحانه بيانا إلا ازدادوا طغيانا ، وذلك أنه تعالى أجرى سنّته في المردودين عن معرفته أنه لا يزيد في الحجج هدى إلا ويزيد في قلوبهم عمّى ، ثم خفى عليهم قصود النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين . « يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ » : نظروا من حيث كانوا لم يعرفوا طعما غير ما ذاقوا ، وكذا صفة من أقصته السوابق ، وردّته المشيئة . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 78 ] قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) ركنوا إلى تقليد آبائهم فيما عليه كانوا ، واستحبّوا استدامة ما عليه كانوا . . . فلحقهم شؤم العقيدة وسوء الطريقة حتى توهموا أن الأنبياء عليهم السلام إنما دعوهم إلى اللّه لتكون لهم الكبرياء على عباد اللّه ، ولم يعلموا أنهم إنما دعوهم إلى اللّه بأمر اللّه . قوله جل ذكره : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 79 ] وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) لما استعان في استدفاع ما استقبله بغير اللّه لم يلبث إلا يسيرا حتى تبرّأ منهم وتوعّدهم
--> ( 1 ) قارن ذلك بما يقوله الحلاج في طواسينه وبما يقوله أصحاب « نظرية الإنسان الكامل » عن الحقيقة المحمدية لتلحظ مدى اعتدال هذا الامام السنى المتحفظ في نظرته لشخصية الرسول عليه صلاة اللّه وسلامه .